الشيخ السبحاني

534

بحوث في الملل والنحل

وبقوله : « قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ » « 1 » فإنّ ذلك كلّه منطلق من هذا الملاك ، أعني : ملاك الخالقية ومنح الوجود للإنسان . ومن الواضح أنّ هذا النوع من العبودية ملازم للإنسان ويستحيل أن ينفك عنه أبداً ، ولا بدّ للإنسان أن ينطلق في عبوديته للَّه سبحانه ويطيعه ويعبده من خلال هذا الملاك ؛ أمّا إذا كانت العبودية ناشئة من الملاك التشريعي أو العقد الاجتماعي ، فحينئذٍ لا تكون العبوديّة هنا منحصرة باللَّه سبحانه وتعالى ، بل يمكن - وتحت شروط خاصة وظروف معينة - أن يكون الإنسان عبداً لغيره ، نشير هنا إلى كلا النموذجين : 1 - طالما هيمن الطواغيت والمستكبرون على مقدّرات المستضعفين والمحرومين واسترقّوهم بحيث أصبحوا بمنزلة السلعة تباع وتشترى في أسواق النخاسة ، ولم ينحصر الأمر بهم بل امتد ليشمل أبناءهم وذراريهم ، وليس التاريخ الأُوروبي والأمريكي ببعيد عنّا ، حيث كانوا ولفترة قريبة جداً يزاولون تجارة الرق ، بل كان كسب الكثير منهم قائماً على أساس سرقة واختطاف الإنسان الأسود في إفريقيا وشحنه بطريقة مأساوية جداً في سفن لا تتوفر فيها أبسط الوسائل لنقل الإنسان ، بل كانت تمارس بحقّهم أقسى أنواع المعاملة ، وأنت إذا نظرت إلى المجتمع الأُوروبي أو الأمريكي تجد الكثير من نسل أُولئك الأفارقة الذين اختطفوا من أرضهم وأُرسلوا قسراً إلى تلك البلاد . ولقد عارض الإسلام هذا النوع من الاسترقاق والعبودية . وسعى للقضاء على ظاهرة الرق ، وإذا ما وجدنا الإسلام قد أجاز ذلك في الحروب

--> ( 1 ) . الزمر : 10 .